..عدتُ يا صديقتي
لِشُطْآنِ عينيكِ مُتْعَبًا
..ولكم بحثتُ
.. عمَّن يحمل عني التعب
سافرتُ كثيراً
ورأيتُ الكثير يا حبيبتي
ولم أجد
… غير الشقاء والعتب
… فمدناً وقرىً
… على كتفيَ أَرَحْتُهَا
… ومقاهيَ
… في حقيبتي حملتها
… وحبيبتي
… من سمائكِ قطفتها
… وكم من قبلةٍ
… على جدرانكِ نقشتها
فَأَيْنَ مَا سَمِعْتُهُ؟
وأين ذكريات الصِّبَا؟
… مدينةٌ إذ ذكرتها
… سال من فمي نبيذٌ وعسلٌ
… وعصافير بنٍ
… من الشرفات نطيرها
وَفَيْرُوزُ كل فجرٍ
… للعنادلِ معلّمةٌ
لا أفهم يا حبيبتي
لا أفهم أَبَدًا
كيف أمٌ حنونة
تصبح في خاصرتي
كَّشَوْكَةِ وَرْدَةٍ
إني أحتاج إليكِ يا بيروت
بل نحنُ نحتاج إليكِ يا بيروت
نحتاج لمن تَمُدُّ يَدَيْنِ
من زنبقٍ ودفلة
… فَكُلُّ الأولاد يا بيروت
بانتظار اللُّعَبِ
… كل النساءِ
… يبتعنَ أَسْلِحَتَهُنَّ
من السوق الطويلة
… وعيون العابرات
!أنتِ سِحْرُهُنَّ
والشعراءِ.. من ذا يرزقهم اللغةَ؟
فيا آخر قناديل سهرنا
لا تتركي السماء وحدها
فما من ليلةٍ زرتِها
إلا ورصعتِها لُؤْلُؤًا
جرحوكِ يا بيروت
وسرقوا الحياة من عينيكِ
خَيَّرُوكِ ما بين نارٍ ونارِ
قَسَّمُوكِ بإسم الذهب والقصبِ
وكل عامٍ يأتيكِ سفاحٌ
وكذابٌ كي يصلبكِ
أيدركون أن الصفصاف عليكِ يبكي؟
أن العطر.. سفرٌ في شعركِ؟
أن الحياة.. أَصَابِعُ على يديكِ؟
سامحيهم يا بيروت
فَأطفلكِ لا يدركون
ما يفعلون بكِ..
وفلسطينُ
من ذا يقاتل عنها
ومن يرفعُ دم الفدائي
نوح السماء؟
ألم يبعثروا الحرية ذات يومٍ
فوق جنوبنا؟
ومن أحمد العربي
رفعوا الأسوارَ؟
إن الذخيرة التي أطلقت عليكِ
ذَاتُهَا قضمت لحم حبيبتكِ
أنسينا مطراً
فوق النبطية؟
وفوق عين الحلوةِ
وفوق خلدة؟
إن الذاكرة درعكِ يا بيروت
فهل تنسى الأخت أختها؟
ويا قرطاجيتنا المعشوقة
لا تستسلمي
فهم جَاءُوا
كي يخطفوكِ..
وكي يسرقوا
… حلى التين عن شَفَتَيْكِ
وها هم الرُّومَانُ يكسرون الأبواب
كي يأخذوا كل فينيقيٍ
حفظ لون الأرجوان
فكوني أنتِ طَائِرَ الفِينِيقِ
كي نكون نحن النَّارَ
وكوني إنتِ البحار
كي نعود نحن
أسياد الميدان
إن هَنِيبَعْلَ في دمنا
ودمنا.. غضبهُ غضبكِ
… فنحنُ
… أين نكون نحنُ
إذ غِبْتِ أنتِ؟
هويتنا أنتِ
جنوننا أنتِ
حبيبتنا أنتِ
فكيف يا بيروت
يقبلُ الترابُ
بغير الأرزِ؟
يا بيروت
… إن كل سفني متعبةٌ
وما أصعب
… من حربِ كل الجهات
ذخيرتي.. كادت تَنْفَدُ مني
وخناجري.. كلها تنكسرُ تحت غضبي
تعبتُ من الحروبِ
ومن زرع الزهورِ في أفواه السلاحِ
أنا شاعرُ نجمةٍ
يتفادى الشظايا
بين ليلةٍ وليلةِ
وأنا شاعرٌ يبني لكل مشردٍ
بَيْتًا ثُمَّ بَيْتًا
فأرجوكِ يا بيروت
أعيدي زنابق السماءِ
إن الحياة مرعبةٌ
فخبئيني من كوابيس زماني
… في شوارع يديكِ
… كي أنسى التي ذات يومٍ
… جرحتني
… وأنسى أَحْزَانِي
… وأنسى شقائي
… ودعيني أمرُ مرةً أُخْرَى
بين شجر التفاح واللوزِ
كي أعودَ يا صديقتي..
لِشُطْآنِ عينيكِ مُتْعَبًا
… أحملُ
… ندبات أشجاني
… على جبيني
كي تقبليها مرةً أخرى
… وتمسحي عن خدودي
… لآخر مرة
… دموع الشموع المشتعلة

