كانو بأيّام المدرسة، بصفّ العربي، يقولولنا نكتب عن الضّيعة وطبيعتها. كل سنة بحياتي المدرسية، كان هيدا موضوع دايمًا أساسي، بس بصفّ العربي، وما بعرف ليش ما كان موجود بصف الانجليزي مثلاً. كتلاميذ، كنّا نضرب ع راسنا ونستغفر الله كل ما نعرف انّو لازم نكتب عن هالموضوع. وكنت قول بيني وبين حالي: شو هالشغلة البايخة يلّي بضلّن يقولولنا نكتب عنها، كأنّو ما في مواضيع تانية بهالحياة نكتب عنها
فانا كنت اكتب عن الاشجار والورود والسّما يلّي كانت أكبر بالضّيعة من المدينة
مرقو هالايام وخلصو ايّام المدرسه وايّام التّعبير الكتابي عن الضّيعة والطبيعة وانا تركت هالبلد كرمال دراستي وصرت مغتربة مثل كل هالمغتربين (وما تسألوني ليش علّقت حالي بهالعلقة.) شوي وصارت الحرب على لبنان واختلطت مشاعر الاشتياق لبلدي ووطني وعيلتي مع مشاعر التّوتّر اذا حدا من عيلتي صرله شي واذا البيت بعده واذا في رجعة على ضيعتي، طلوسة
بدون ما حس على حالي، صرت حنّ لبيت الضّيعة وذكرياتها. صرت احلم بالرجعة… بس هاي “الرّجعة” كانت بتعنيلي رجعة من السفر على ضيعة ناطريتني بسلام. لمّا صار عليها حرب ومخططات احتلال، معنى “الرجعة” كلّو تغيّر. الرّجعة صارت نوع من الأمل، مقاومة للإستسلام. صارت كلمة منقولها لنأكّد لحالنا إنّو هاي الأرض إلنا… ورح نرجعلها
لمّا حداً يمنعك عن أرضك، بتصير حتّى لو انت بعيد عنها، بدّك ترجعلها اكتر من قبل، وبصير حبّك لإلها اعمق واكبر من وسع الخيال كله
انا وبأمريكا، صرت فتّش على شجرة التّين يلّي كنت عربش عليها وحوّش منها من الصّبح لبالّيل، وشجرة الجوز يلّي كانت الوحيدة يلّي بتعطينا فيّ بوقت الغدا، وشجرة الزيتون يلّي كانت تملّي الجلّ بريحتها، وشجرة النجاص يلي كانت بحجمي وكبرت اسرع منّي والغاردينيا يلّي تيتا دايماً بتحب تسقيها من دون ما جدو يعرف. وقد ما فتّشت، ما كنت لاقي شي بيشبه هالمنظر . بس بغض النظر، الضيعة ضلّت معي. لمّا يسألوني انا من وين، بحكيلن عن ضيعتي الصغيرة يلّي بعدا ضيعة؛ فيها بس فرن واحد، “فرن الهام،” و دكّانة وحدة، “دكانة ابو صافي،” و المزرعاني جلال يلّي كل اهل الضّيعة بيجيبوا من عنده حليب ولبن
وهيك علّمتني الغربة انّو الضّيعة مش بس طبيعة وخضار، الضيعة هوية مستحيل إقدر اتخلّى عنها. ولمّا سافر ويكون في محيط بيني وبين بلدي، الكتابة بتصير الوسيلة الوحيدة للمقاومة يلّي ما حدا بيقدر يسرقها منّي. واللغة العربية هي لغة الأم، بتربطك بأرضك وهويتك وجذورك الأصل وبتضلها معك وين ما رحت، وكرمال هيك رح ضل اكتب عن ضيعتي وقصصها. صار عمري 22 سنة، ولقيت حالي عم بكتب عن ضيعتي مش كرمال صف العربي، بس كرمال الحفاظ على هويتي ومقاومةً عن احتلال ارضي وهيك تعلّمت ليش بإيام المدرسة بصف العربي، كانو دايماً يقولولنا نكتب تعبير كتابي عن الضيعة وطبيعتها. (بس بشرفكن، غيرو شويّ…)

