إلى جدي بدري مكارم… حضورك هديّة
آخر أيّام العصر الذهبي… ’٧٥
،كانت بيروت بعدها عم تتلألأ
،غافلة عن روابط ما كانت شايفتها بعد
.وعن سطور بعد ما انكتبت
،الشوارع مليانة
.والناس بعدها بتحكي بالقروش
،بعدن عايشين وقتن عمهلهن
…كأنّو الوقت مارق من حدّن
.من دون أيّ عجلة
،مدينة إلها نكهة
…بس كانت عم تغلي
وناطرة لحظة
.لتفور فيها
…كان “الهوليداي إن” بوقتها نجم الساحة
،بعدو جديد عالمدينة
.ما كان صارلو أكتر من سنة أو سنتين فاتح
،واقف بنصّ ضجّة بيروت
.كأنّو نازل من مجلة سياحية راقية
،كان متل شاب بأوّل طريقه
.الدني بعدها فاتحة قدّامو
،إلى الغرب
عَالميناء، “أوتيل فينيسيا”، محافظ عَرخامه المصقول؛
.واثق، وساكت
و”السان جورج”، مايل صوب البحر؛
،هادي
.كأنّه عم يذوب بضوّ المساء
،إلى الشرق
“برج المرّ”، عالي فوق القنطاري؛
،مكشوف ومش مكتمل
…بس عم يطلّ عالمدينة
.عم يراقبها
،وصوب البلد
حيّة خضرا عم تتمرمغ بين التلال والدرج؛
،ما حدا منتبهلها
.متل خيط عم يدوّر عالمحلّ يلي رح يشقّ المدينة نصّين
،بواحد من الأبراج
.ختيارة قاعدة عالشباك، ساندة المكنسة عالحفّة
ما تحرّك فيها شي؛
،لا كتافها
.ولا إيديها
…وعالكورنيش، عربية عم تزحف
،عم تجرّ وراها شي غامض
.متل ظل ماشي بلا صاحب
بليلة ١٢ نيسان ١٩٧٥
،شركة “طيران اليابان” كانت عازمة موظّفيها عالعشا بفندق “الهوليداي إن”
بأعلى طابق فيه، بـ”لو پيناكل”؛
.أوّل مطعم بيدور بلبنان
…عم يبرم عمهله، والمدينة عم تمرق حواليه
.لا يقطعها شيء
،من “لو پيناكل”
كانت بيروت تبلّش
.وما تخلَص
.بالمطعم، الضو دافي، ومغمور بالذهب
.السجادة الحمرا غامقة ومغطّاية كلّ الأرض
.الحيطان مدهونين بالبيج، والأخضر، والأحمر؛ الألوان فايْتة ببعضا كأنّها عم تتنفّس
،الغارسونية، شباب بالعشرين
.مارقين بين الطاولات بسلاسة؛ كلّ واحد منن عم يتحرّك عطريقته
.وراهم مدير صامت، بأوّل خمسيناتو، وعيونو عم تلحق كلّ حركة
.الضيوف عم ينقلوا من طاولة لطاولة، كأنّو بفوضى مقصودة ومتدرّب عليها
.وفجأة، على غفلة… طلّت نادية جمال عالضو
.كانت مبتسمة من أوّل خطوة؛ ضحكتها سبقتا
.قصّت الهوا، متل طاووس مهيوب خطفت كلّ العيون
.كلّ خطوة محسوبة، وكلّ حركة مدروسة
.ما كانت عم ترقص لتعرض… كانت تفرض
.والكلّ مشي وراها
.بدري، كان تحت هالوهج الأحمر
.صباطو لميع، لابس بدلة سودا رسمية، قميص بقبة مروّسة، وكرافات بخطوط بردقانيّة وسودا عالمايل
.السوالف طوال ومخطّطين، شعره مفروق عالشمال، وريحة ال“بروت” واصلة قبله عالطاولة
.طلب ستيك؛ طرية، وغرقانة بمرقة فطر غنيّة. عجنب، شرائح جزر وبطاطا عم يلوّنوا الصحن

،وكان فالت الضحك
،والكاسات عم تِنرِنّ
…والنبيذ لمع وفلّ عالهدا
.من كفّ لكفّ
،بعد العشا، اجتمع الفريق ليسحبوا التامبولا. الموظّفين كانوا مِحتفلين بسنة ماليّة قوية لـ”طيران اليابان” (٧٤–٧٥)
،بس بدري ما كان عم يفكّر بهالشي
.كان ناطر تمّوز
.بعد شهرين، كان رح يتجوّز
.وكان عم يتخيّل لمحات من عمره الجديد مع خطيبته، سهيلة… ناعمة وبهية، متل ضوّ ملاك منوّرتلو طريق المشوار
…ولمّا خلصت السهرة، ودّع القاعة؛ زملاؤه مبسوطين، ضحكتن واصلة لعند دنيهن
،وبعدها عم تلحقو
.لآخر ما سكّر باب الأسنسير
.ما حدا تخيّل إنّو هيدي الليلة بـ”لو پيناكل” كانت الأخيرة من نوعها
.الموسيقى بعدها معلّقة بالهوا
.والأرض بعدها عم تدور
.الكاسات بعدها عم تنرفع، وحدة ورا التانية
.ما حدا توقّع شو كان جايي ليشيل الموسيقى من الحيطان
.كانت أضوية المدينة بعدها عم تلمع، بس قريبًا، كانت رح تلمع بطريقة ما حدا بيعرفها
.كان آخر فصل من عصر… المسرح ما تغيّر، بس تبدّل العرض
…بين طوابق “الهوليداي إن”، كان في هدوء ثقيل
،متل كأنّو المبنى عم ياخد آخر نفس قبل ما يحمل صوت غير هالصوت
.وقصّة غير هالقصّة
.من “لو پيناكل”، ما كان فيك تشوف بكرا
.ويمكن، هالعمى كان أكبر هدية

