كانت نفحات الشتاء قد بدأت تلامس أيام دبي الدافئة. وصلَت قبل الميعاد ومشت إلى جانب النادل الذي رافقها إلى الطاولة المحجوزة لذلك اللقاء. كانت طاولةً مطلةً على الحديقة الخارجية للمطعم. أما هي فكانت في خضم الرسائل التي تروح وتجيء بين الأصدقاء الذين تأخروا عن الموعد
وفيما هي منهمكة بهاتفها، التفتت يمينًا. رأتهما يجلسان تحت تلك الشجرة. “فتنة” هو الاسم الذي كانت أمها تطلقه على تلك الأزهار البيضاء. كانا غارقين في الأحاديث التي لم تصل إلى مسمعها من خلف الزجاج. حاولت أن تُنصت بعمق، علّها تخترق صوت عبير نعمة الذي يدندن في خلفية المطعم “قولك بعد منرجع مرة نتساير بالضحكة”. كانا “يتسايران” بهدوءٍ يعبقُ برائحة الطمأنينة.قاطع النادل عملية المراقبة التي كانت قد بدأتها من وراء الزجاج وعرض عليها فنجانًا من القهوة يُحلّي طعم الانتظار. لم تكن يومًا من عشاق القهوة، فطلبت فنجانًا من الشاي وأشاحت بوجهها عن النادل بسرعة لتكمل مهمتها الاستكشافية وترى المشروب الذي كانا يشربانه في الخارج. لم تستطع التعرف إلى مشروب الفتاة، فقد كان عبارةً عن مزيجٍ من الألوان الغريبة. أما هو، فأرادت أن ترى وجهه بوضوح، فقد كان يجلس وظهره نحو النافذة التي تتسلل نظراتها من ورائها. إلا أن الضجة التي حدثت من حولها معلنةً وصول الأصدقاء قاطعت تأملها. وفي غمضة عين عادت بها إلى أرض الواقع، تلاشى طيفه هو من الخارج، أما طيف الفتاة فعاد إلى ذاته، مخترقًا زجاج المطعم ليستقر داخلها محملًا بعبقٍ من الماضي

