لقد فَقَدَتْ عيناي القدرة على التأثر والانفعال. صارت تمر بأحداث ومشاهدات، فيها ما فيها من القتل والعنف والدم والسلخ والجلد والتقطيع والتقطيب، ورغم ذلك، لا تومئ فيها ولا تتأثر ولا يرف لها جفن. لقد ظن من حولي أنني من النوع المقدام، فردوا ذلك إلى قيم الشجاعة وقوة القلب، وتهامسوا عني أن ذاك ”قلبه ميت”، وغيرهم قَرفَ وقال إنها ليست قيم شجاعة، بل قيم سادية، وأن هذا الذي هو أنا، بحاجة إلى علاج نفسي
ولكني دعوني أخيب ظنكم يا أصدقاء ويا غرباء: أنا لست شجاعاً، ولا أعرف إلى قوة القلب طريقاً، فأنا أهرب من ساحات الوغى، وانسحب من ميادين إثبات القوة، وكل ما يتفرع من ذلك كالرجولة وغيرها
أما تعليلكم حصول مثل هذا الأمر بميل ما أو اضطراب نفسي ما، فهو تعليل كنت قد أخذت به، لعلي أفهم أكثر عن حالة اللا تأثر هاته. لذا، ذهبت إلى طبيب الأنفس، فلم يجد نفساً لتضطرب وتؤثر على حاسة العين مسببةً هذا النوع من اللا تأثّر، فحولني طبيب الأنفس إلى طبيب العيون، فلم أجد عنده الجواب، بعد أن تجاوزت عيناي أصعب الفحوص وأثبتت دقتها وحدتها
أضحيت أومئ، تمثيلاً، بالحزن والتعاطف. كم أخشى من هاته اللا مبالاة واللا تأثّر، في مثل هاته المواقف، أخشى أن أتهم بشكل من الأشكال بتهمة أنني أشمت في هذا الذي أراه أو لا أبالي به. بسبب ذلك، أعزل نفسي، في كثير من المواقف تجنباً لمثل هاته الإحراجات. لا أضمن نفسي أن أحافظ على وتيرة واحدة من تمثيل الحزن أو التعاطف، فتفلت مني لحظة يقتنصها أحدهم ويؤلها، خبثاً، بأنني متواطئ أو شريك في في ما أصاب غيري وما لحق من ضرر نفسي أو مادي
أمسيت أفضل الأحاديث الهاتفية، ففيها تختفي العيون، وفي أكثر الأحيان، لا يكون باستطاعة الصوت على الجهة الآخرى معرفة ما تقوله عيناي، فلا أضطر أن أبرر له لمَ لا أومئ بشيء تفاعلاً مع موضوعه، وخصوصاً إذا كان موضوع الحديث جدياً في حزنه أو فرحه
:فيما بعد، جاءني الجواب على هيئة حلم. ففي ليلة من الليالي، حلمت بأبي الغائب، كان واقفاً، وسط ضباب كثيف، والدماء تسيل من وجهه، وقال لي
:أي بني
”إن تجرّد عينك من قدرتها على التأثر أو الانفعال، سببه هو أن مشهد العذاب لم يعد غريباً، أو طارئاً، أو استثنائياً، بل هو مشهد يومي. إن يوميته تلك، وطابعه التكراري الغالب رغم تغير الشخص الذي يحل به العذاب أو الألم، هما علّة تجرّد العين من قدرتها على التأثر أو الانفعال
وعندما يصبح الشيء عادة مثل تصرف ما، فإننا، يا بني، نتوقف عن التفكير فيه ولا نحاول تبريره، بل نكتفي بقول ”من عادتي أن أفعل كذا،” و”ليس من عادتي أن أفعل كذا.” فقليلاً ما تجد أحدهم يقول: أفعل كذا بسبب أو لعلة أو لقصد ما”، ثم غارَ أبي وسط الضباب
يا لسخافة الإنسان. يَقتل، يَذبح، يُفجر، يَغتصب، يُخرّب، يُدمر، يُعاقِب ويُراقِب، يَسجِن ويَنفي، وفي الوقت نفسه، يحبك الحكايات الخيالية الحزينة لكي يبكي عليها! عينٌ تذبح وعينٌ تبكي، وعينٌ تراقب كل هذا
لقد تحول الإذلال والانتهاك والتعذيب والدم والتعنيف إلى مواد للاستهلاك والترفيه والاستهزاء، في عالم السوشيال ميديا. لقد بات ”إيموجي الأضحكني” يستخدم للتفاعل على أخبار الموت، وكأن ”الأضحكني” يقبض روح من مات، مرة أخرى، في العالم الافتراضي! والشاهد الأول على كل هذا السخف، هو العين
…أي عين أريدها بعد كل هذا؟! ها أنا بدأت باقتلاع العين الأولى يا أبتِ

