.شردت في البقعة على حائط غرفة النوم وأنا أفرغ أغراضي من شنطة السفر. ها هو ذا، أخي
كلما ذهبتُ خارج البلاد وعُدتُ، أجده في مكانه، ولكن ليس في مكانه. فالبقعة التي تتخذ شكل إنسان، شكله هو، لا تزال في موقعها. لكن هيئتها تختلف مع كل رحلة. السنة الماضية كانت البقعة ترسم على الحائط شكل جسده وهو منحني على طاولة لا وجود لها. كان يكتب بقلم من أثير، جالساً على كرسي خفي. النقاط السوداء الغريبة تكتلت في ظلٍ واحد لا تُرى انشقاقاته إلا عن قرب، لتظهر شخصاً يدرس ويجتهد على حائط الغرفة
.السنة التي قبلها، كانت البقعة ظله وهو يلهو على حاسوبٍ أيضاً غير موجود. سواد يطفو على الحائط، يمثل ما يجب أن يكون ولكن ليس كائناً
.لا أذكر متى أصبح أخي هذه البقعة. هل كان ذلك قبل سفري أم بعده بقليل؟ لا أعلم. ولكن بين صفحات الأيام والسنين والتجارب الدائمة التقلب، تحلل في غرفته ليصبح هذه البقعة التي تقف بين الوجود وغيابه
ما يقلقني حقاً الآن هو ليس تحوله إلى هذا الجماد الحي، ولكن تعودنا على ذلك كأنه حدث عادي. في زمنٍ ماضٍ غير محدد، حلت البقعة مكان تلك الروح دون احتجاج من أي منا. لا بل أحياناً، خلال الزيارات العائلية، كان الأقارب يأتون ليلقوا نظرة على البقعة ليروا مستجداتها. ماهيتها هذه المرة؟
أشعر بالقليل من الخجل; فكيف تقبلتُ هذا الواقع أيضاً بدون اعتراض؟ هل هناك سحر ما؟ شعوذة؟ لعنة لم ننتبه لها تغلغلت في حواسنا ووعينا؟ هل أنا الآن خارج تأثيرها؟ هل لهذا السبب أنا الآن أدرك غرابة الموضوع؟ سوف أسأل أهلي عن ذلك لاحقاً
لاحقاً؟ أنني هنا منذ أسبوعٍ تقريباً، والآن أعيد توضيب حقيبتي للرحيل. منذ أن بدأت بالتفكير في البقعة حتى الآن، لقد اتخذت العديد من الوضعيات والأشكال. أتت أمي وجلست بجانبها عدة مرات, وأعتقد أن والدي قد مرَّ عليها أيضاً بضع مرات، يسألها عن مستجداتها. هناك شيء غير طبيعي
.حسمتُ الأمر وتوجهتُ إلى غرفة الجلوس. وهناك، في منتصف حديثٍ كان يجري بين أهلي، وجدته. يجلس على مقعد بينهما كأن وجوده هناك أمرٌ طبيعي. كأنه لطالما كان هناك
سألته باستغراب، قاطعاً حديث والديّ لأصل إليه: “شو مبين هون؟”
نظر إليّ، وبراءة طفلٍ تفيض من عينيه، وقال: “ليش وين بدي كون؟”
لم يتوقف والداي للحظة عن التحدث عن مهما كانا يتكلمان عنه. بدا كأننا للحظة خارج الزمان، كأنني انضممت إليه في عالم البقع الموازي لكل ما هو حقيقي. أحسست بثقل وجودي وعدمه في ذلك العالم. أردت أن آخذ نفساً عميقاً قبل أن أرد عليه بسخريتي المعتادة، ولكنني أدركت أنني لا أتنفس أصلاً. كلانا لا يحتاج للهواء هنا. كلانا لا يحتاج لثقل الكلمات. مجرد رؤيتنا لبعض كان ما يكفي من الحديث. بل كان فائضاً، وعلينا الآن أن نلتزم الصمت، ومع أنني لا أرغب في ذلك، إلا أن وجدانه كان يرجوني أن أخرج
عدتُ أدراجي إلى غرفتي لأكمل توضيب حقيبتي. نظرتُ مرةً أخرى نحو البقعة -موجودة وغير موجودة، كعادتها. جسد أخي واقفاً يودعني, ووالدي واقفاً على مدخل الغرفة بجانبه ليقودني نحو المطار
حملتُ الحقيبة ومشيتُ نحو الخارج. نظرتُ إلى البقعة وهمستُ له: “بشوفك السنة الجايي” وأطفأتُ نور الغرفة

