عشتُ في بلاد العروبةِ عشرين عامًا
ما رأيتُ ساعةً فيها العرب
حفظتُ أسماءَ شوارعها
أكلتُ خبزَ مخابزها
وارتشفتُ قهوةَ مقاهيها
لكني ما ذقتُ فيها أبدًا
شيئًا من العرب
،رأيتُ شعوبًا، يا سادتي الكرام
في الطوابير
واقفينَ ساجدينَ
يقبّلون قدمَ الرئيس
يمتصّون الرحمة من مسدسه
يرضعون الإيمان من عباءته
فأين العرب؟
،نحنُ، يا سادتي الكرام
إذ حرّكَ سيدُنا
إصبعًا من أصابعهِ المعفّنة
تهيجُ فينا بحورُ الغريزة
وإن نبحَ شيئًا
مهما كان
نُضاجعُ الفكر
من خطاباتهِ المُبطّنة
أين العروبة؟
شهدتُ كيف كنّا
نمشي بلا وجوه
نحفظُ الهتاف
ولا معنى للهتاف
نرفعُ الرايات
ولا نرفعُ الإنسان
وشيخُنا…
يتكلّمُ عن المحبّةِ والكرامة
بينما على المنابر
تُذبحُ المحبّة، وتشنقُ الكرامةُ نفسها
،نحنُ، يا أحبّائي
ندّعي الإسلام
وهل عرفنا يومًا
معنى السلام؟
ندّعي الإسلام
لكن ماذا سيبقى بعدما سلخنا
كلّ شيءٍ عن جسد الإيمان؟
ندّعي الإسلام
وأرواحُنا فداءٌ لكلّ
أُجراء الحاخام
اليهودُ يأكلون من لحمنا
وعقولُنا هادئةٌ تمامًا
نغسلُ صحونًا ملطّخةً بدمائنا
مشغولون بالصراخ
اللهُ أكبر
تُدهَسُ وردة
اللهُ أكبر
تُسرَقُ الحبيبة
اللهُ أكبر
لا شيء عندنا
أكبرُ من الغضبِ والضربة
فرحين بتقسيمنا
نقتلُ أخانا
إن أرادَ من الضفّةِ الأخرى ياسمينًا
،هذه الفضائحُ، يا أحبّائي
في كلّ تاريخنا الناقص
في شعرنا
في مصاحفنا
في أناجيلنا
في صحفنا
كلماتٌ تُغتَصَبُ ليلًا
ثم تخرجُ بعد دعارتها
وتُسمّى كلامًا
حتى أمهاتُنا
قد يبعنَ أبناءهنّ
والأخُ قد يبيعُ أخاهُ
بحبّةِ رزٍّ لكفّ الطائفة
فذهبتُ أفتّشُ عن الخيل العربي
لعلّ الحلّ في الصهيل
فوجدتُه مقتولًا
مطمورًا
تحت أشلاء النخيل
والنسرَ
لأوّل مرّةٍ مقهورًا
مكبّلًا بالجنازير
عشرون عامًا
كالمجنونِ أسأل الشوارع
عن مجد العرب
عن عهد العرب
عن شيءٍ لدى العرب
فلم أسمع
سوى قيءٍ تاريخيّ
عن عنتريّات عنترة
ونهيق قيس
وقباحات عبلة
ألم يعد حاضرًا لدى العرب
ولا مستقبلًا؟
ألف عام
ألف عامٍ ونحنُ نكرّر الرواية
نتحدّث عنها كالمنوّمين
نخلطها في حليب أطفالنا
نحملها في علب دخاننا
في حقول الأفيون
ونحن لا، لا، أبدًا ليس ذنبَنا
نحنُ فقط صفّقنا
لانتهاك نسائنا
في ساحة الشهداء
لا دخلَ لنا
في مرض العرب
هذا الرئيس الذي رضينا به
هو من خانَ العرب
بعد عشرين عامًا
إن سألتموني ماذا رأيت
سأصرخُ كالمجنون في الشوارع:
رأيتُ لأوّل مرّةٍ في حياتي
جنازةً مُصفَّقة
لجثثٍ عارية
تأكلها ديدانٌ عربيّة
تشبهُ أمَّ كلّ عربيّ

