.أكتب الآن، لأن ليس بوسعي فعل أي شيء غير الكتابة
،لا يسعني أن أنظر وأرى هذا العالم الكبيرعاجزًا أشدّ العجز
.وأصمت، وأصمت، وأصمت
، في الواقع، نعم، أنا أصمت
.كما صمت الجميع من قبلي، وكما أُجبر البعض على الصمت
.لكن، حروفي ستنفجر من بين عينيّ، ستسقط سهوًا وتثور علي وعلى السخافة التي اعترت هذا العالم بأسره
، أحاول ترويضها، فلسنا بالقادرين على المزيد من الثورات
.ولا نستطيع الاستعداد للمزيد من الفقدان
.لقد فقدنا كل شيء، حتى نكاد نفقد إحساسنا بالفقد
،لا أستطيع حتى أن أنظر في عينيّ، وأن أرى انعكاس كل شيء
.كل شيء بلا استثناء، ومن ثم صمتٌ رهيب
أتعلم ما الرهيب؟
! أن تلك الكلمات والحروف، في ليلة وضحاها، تنقلب ضدي
! تحاصرني
ألم يكن للمعادلة شكلٌ آخر؟
أليس من المفترض بي أنا شخصيًا أن أمسك بجهاز التحكم؟
.لقد تخليت سابقًا عن كل ما هو مفترض وضروري
ما تبقى هو بقايا كل ذلك، وبقايا من أشياء لا تذكرني حتى، ولكن ما فائدة هذا كله الآن؟
.أتعجب من عقلي ومن قدرته على استرجاع مليون فكرة في ذات الدقيقة، متجاهلًا الفكرة الأساسية وما وراء كل هذا
، متجاهلًا كيف سمحتُ لنفسي بأن أصل لهذه المرحلة من اللاشعور واللامبالاة
!وأنا كنت أعتقد أنني بحرٌ من المشاعر
.في الحقيقة، البحر الحقيقي الوحيد، هو البحر الواقع هناك
…وكل ما هو ضروري وهام، هو كل ما يحدث هناك
، وما لا يحدث، وما لن يحدث أبدًا
.فقد فات القطار منذ زمن بعيد جدًا
.ما يهم الآن، هو قطع الشوكولاتة، التي وضعت بعناية في علب مزركشة، يزينها حرفان اجتمعا على العلبة فقط
.تلك القطع التي لم يستطيعوا أكلها ولا توزيعها حتى، لما تحمل من مرارة
،وما يهم الآن، هو ذاك الصغير الذي يستيقظ في منتصف اللي
.لا ليبحث عن كوب ماءٍ فقط، بل على يد لتمسك بهذا الكوب
،أو ذاك الرجل، الذي يعود لبيته وينادي عشرات الأسماء
.بينما يتردد صدى كلمة “نعم” من صوتٍ واحد فقط، أو اثنان بالكثير
،أو تلك القطط الصغيرة، التي تاهت مرارًا، والتي لا تبحث عن أمها فحسب
.بل عن أي مكانٍ لا يتخلله أي صوتٍ من الأصوات، حتى صوت عربة بائع البوظة
!عربة البوظة، تلك العربة
.كيف لي أن أراها تمر أمامي بكل بساطة، وكأن شيئًا لم يكن
.تلك العربة، التي كنا جميعًا ننتظرها، باتت كالكابوس الآن، تحمل بداخلها رائحة الموت، حتى لا ننسى
،ما نسيناه، أو بالأحرى ما لم نلحظ حدوثه
.أنه في الحقيقة أصبح للقبور العديد من الأشكال والهيئات
،لم أكن أتصور أن أي شيء في هذه الحياة، يمكن أن يتحول لقبر
.حتى كلمة قبر باتت رفاهية في هذه الظروف
،القبر يحوي جسدًا كاملًا
،شيءٌ واحد، كيانٌ واحد
،لا حطام، أو بقايا إنسان، أو عظام تعود لعشرات الأشخاص
.نضعهم جميعًا في مكانٍ واحد، لنقنع أنفسنا أنهم قد ذهبوا جميعًا
،وأن من فقد، قد مات حتمًا
.لأن احتمالية موته أفضل بكثير من كل الاحتمالات الأخرى
.حتى الموت فقد فَقَد جميع طقوسه
،ثلاث أيام عزاء تقلصت بما لا يزيد عن ثلاث ساعات
.كما أنك محظوظ إن حظيت بتلك الساعات
،ساعات تكون فيها أقرب للخوف أكثر من الحزن
.لأن احتمالية رؤيتك بجانب هذا الجسد الساكن، تحتمل أن ترافقه قريبًا، ما لم تكن حريصًا أشد الحرص
!ولا تسألني كيف تكون حريصًا، فأنا حقًا لا أعلم
،قبل أعوام عديدة، كان من الممكن أن أقترح المدرسة أو المستشفى كخيار
.أما الآن فأنا أرجوك أن تبتعد عنهم قدر المستطاع
.والحقيبة، من فضلك لا تنسى الحقيبة
.أعلم أن جملتي هذه تكاد تكون كوميديا سوداء، فأنا لم أقل احرص على نفسك أو أطفالك أو دوائك
.اعذرني، ولكن في حالٍ كهذا، أنا مضطرة لذكرها
.أعلم أنك كنت ترتديها حتى وأنت نائم – هذا إن نمت أساسًا – حتى أتى اليوم الذي لعنتني فيه أنا والحقيبة
.قطعتان مخيطتان من جلدٍ بال، بالكاد تكون حقيبة، شديدة الخفة، توشك أن تنسى ما بداخلها
.أوراق، صكوك ملكية، المزيد والمزيد من الأوراق، ومفاتيح لم تستخدم لأكثر من سبع عقود
.أكتب لك الآن، وكلي فرحٌ لأنك قبل بضع أيام فقط استطعت أن تنام بالليل، ولم يصادقك شيطان الأرق
.كما أنك استيقظت في الصباح، بكل هدوء، من غير أن تركض أو تحتمي بشيء، وأكلت الطعام، أكثر بقليل مما يُسمح لك بالعادة
.كما أكتب وكلي أسى، على كل ذكرى، تحرص على مرافقتك قبل النوم، والاستيقاظ، والأكل
.وقبل أن تهم بالدعاء، فتتعب لأن القائمة طويلة، والجرح عميق، والجرم أكبر بكثير من أن يستوعبه كيانك
.رأيتك تلعن نفسك عند نسيان أي اسم، وأخبرتك أن القائمة طويلة وتحتمل النسيان
.تعود لتلعن نفسك لأنك هنا وهم هناك، كما ألعنني أنا لأنني هنا وأنتم هناك
،أكتب وإن كانت كل محاولاتي في الكتابة مبتذلة ورديئة
.غذتها ما قرأت وما رأيت خلف شاشاتٍ كانت تحميني، وخلف أصواتٍ اضطررت أن أخفتها حتى أعيش
.والمأساة أنني عشت، كما أنك عشت، وشتان بين هذا وذاك
.أخبرني حين تريد أن أضع قلمي وأستسلم، وأصمت، كما صمتتُ كثيرًا قبل هذا
.أكتب لك وأتمنى أنك أنت الذي يكتب، وأنك أنت الذي يمسك بالقلم
،ولكنك على حق، ماذا تكتب في عصرٍ لم تهزه الصور الواضحة
.ولا حتى مقاطع الفيديو، الطويل منها والقصير
،أعلم أنني بعيدة كل البعد عن هذا الواقع، حين أسألك أن تكتب، وسط كل هذه الفوضى. ولكن، أرجوك أن تعلم أيضًا، أنه يجب أن تكتب
،يجب أن تخترقني بتعبيرك ووصفك لكل صغيرة وكبيرة، لم تخطر بالبال ولم نفكر بها. وأعلم أنك ما إن تكتب
.فإنني سأضع شهادتك تلك نصب عينيّ، وأدرسها كل يوم، وأتدارسها
،فإن راودني النسيان وراوغني ليزيل من عقلي كل تلك الصور والمشاهد
.فلن يستطيع أبدًا أن ينسيني نبرة صوتك ووقع حروفك، التي تمنت الموت بشدة فظيعة، أكثر من أي شيء آخر، أكثر حتى من نجاة حتمية

