All Articles

هذا الكُره ليس كرهي

الأنظمة والحكومات لا تمنحنا حرية التعبير، بل هي تسمح لنا  به على اعتباره حق من حقوق الإنسان التي أقرتها الدساتير وصانتها القوانين. فنقول: أستطيع أن أعبر عن رأيي بكل حرية، فحريتي مكفولة في القانون. وعليه، قد يخرج أحدهم ويستخدم حريته في نشر خطاب طائفي أو خطاب تحريضي ويثير أزمة دخلية أو حرب خارجية

يقول الضابط لجنوده: لا تعودوا إلي، فلكم مطلق الحرية في التصرف. ينتشر الجنود في المدينة، ويبدأ عدد كبير منهم في القتل والاغتصاب والسرقة والهدم والاعتقال، وكل ذلك تحت رخصة حرية التصرف الممنوحة من الضابط الأعلى رتبة

الحرية في المثالين السابقين، كانت لاحرية. بعبارة أخرى، كانت حرية معبأة سياسياً وعسكرياً وطائفياً، حرية تريد أن تستخدم الآخرين أو تقتلهم، حرية تريد أن تُخضع وتتدخل وتمنع وتحرّم، وهذا يجري من خلالي، فأدعي من دون أقل قدر من التفكير بأنني حر

تحتاج الحرية إلى جهد وهذا الجهد هو القدرة على التحرر؛ جهد ينبع من إرادتي أنا، لا إرادة أكبر تحكم على أفعالي وتتحكم بها، إرادة تريد الحياة بما هي حياة، أي الحياة والعيش في الحاضر، لا تُأبد الماضي فتسميه حياة، ولا تُربك حاضرها، فتنساه، بالتحضير للمستقبل. إنها إرادة تريد أن تتحرر من كل ما ليس منها ومن خبراتها وتجاربها وشعورها. حينها يمكن أن تكون الحرية نظيفة من أي مضمون انفعالي مسبق يحركني ويوجهني في كثير من المواقف التي أجد نفسي بها. أحد أخطر تلك الانفعالات هو الكُره، ولكن ليس الكره كحالة شعورية عادية تعصف بالوجدان  هزاً، بل الكره الذي ينتصب ناظماً لحياتي عادماً أي فرصة للحياة مع نفسي أو مع الأخر


أعيدُ ترتيب كُرهي الذي ورثته. بيني وبين نفسي. أَشُك بكل ما أكرهه. إنه ليس في كُلّيته كرهي أنا

أَعزِلُ نفسي عن كل الكُره المُعطى لي والملقى عليّ من الخارج، من الحاكم، ومن الزعيم، ومن القائد، ومن الأب، ومن الضابط، ومن رجل الدين، ومن المثقف، ومن بيئتي الطائفية، والسياسية، والدينية، والقومية

لم أرَ أحداً منهم يطلّ مُعلناً: تعالوا نُحب الطرف الآخر، في الحرب وفي السلم. بل يقول: تعالوا نتفق مع الطرف الآخر

تَضبط البيئات المتعصبة لأي فكرة والمنغلقة على نفسها، عند السلم، مشاعر الكراهية لدى ناسها. تُخزّنها في مكان قريب من أجل إعادة استخدامها. إذ تَشتغل ورشات هذه البيئات على اختلافها، الإعلامية والسياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، على تهيئة موضوع كره جديد، من ثم تعيد تصويب لهيب الكراهية تجاه هذا الجديد

في هذه البيئات، يجري إكراه البشر على كُره ما تقتضيه الحاجة، كره الجسد، كره الفكرة، كره مؤامرة في الخفاء لم تتضح معالمها بعد، كره أي شيء تستشعر منه خطراً عليها، حتى لو كان آلة أو منصة رقمية، أي كل ما لايمكنها فهمه أو السيطرة عليه

أعيدُ ترتيب علاقتي مع الكره، كنوع من الانفعال، لا على أنه ثقافة أو سياسة يجب اتباعها في ما أكره وما أحب. ألاحظ أنني في كثير من الأوقات، أحكم على شيء ما باللاحب، تجنباً للحكم بالكره، فأقول ابتداءً: لا أحبه ولكن لا أكرهه، معلقاً حكم الكره بتفريعاته من نفور أو غيره، إلى حين أن يمر بي، ويقع محل وعيي وتجربتي

إنها انفعالات تنشأ في النفس، نفسي، ومنها قسمٌ يُعطى لي عبر إجباري على السير في مسار يحد لي ما يجب أن أكرههُ. وفي الوقت الذي يصل فيه هذا المسار إلى طريق مسدود، نجد أنفسنا

في الثورات: حيث نعبّر عن كراهيتنا نحن، ونُصوّبها إلى المسؤول عنها

أو في الحروب: وهي حلول الحاكم للتخلص من كراهيتنا له

أو في خضم الاقتتال الداخلي: إذ يكون الزعيم السياسي قد فرغت جعبته من تبريرات عقم الحالة القائمة


Written by

in

Back to top arrow